أظهرت التحولات السياسية والبرامجية لحركة حماس تداعيات فورية وأخرى متوقعة على الحركة الإسلامية بعامة في الوطن العربي وفي العالم، وكان اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس مناسبة للتساؤل حول المواقف الجديدة المتوقعة لحماس والحركة الإسلامية مع الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل والتسوية السياسية، فهل سيكون لتحول حماس إلى حزب حاكم وشريك في العملية السياسية الفلسطينية تأثير على الحركات الإسلامية في الوطن العربي بخاصة والعالم الإسلامي بعامة؟
ولم يطل الانتظار لتبقى هذه الأسئلة مجرد مغامرات تحليلية، فقد توالت الأخبار والتصريحات والمقابلات الصحفية عن سلسلة من اللقاءات والمفاوضات بين حماس وبين الأوروبيين والغربيين والإسرائيليين.
ولكن حدث أيضا مؤخرا تطور لافت، فقد ذكر عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أن جماعة الإخوان المسلمين تؤيد تأسيس دولة علمانية ثنائية القومية في فلسطين، كحل نهائي للصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويبدو أنه تصريح أثار اعتراض قيادة حماس ليصرح المرشد العام معقبا بأن موقف الجماعة من القضية الفلسطينية، يقوم أساسا على "أن فلسطين إسلامية بما تحتضنه من مقدسات المسلمين" ولكن هل يتناقض تصريح عاكف مع أبو الفتوح؟ فهل تعني إسلامية القضية الفلسطينية أنها ضد دولة علمانية ثنائية القومية؟ إن قادة حماس صرحوا مرارا بتأييد حل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، والحركة الإسلامية في إسرائيل تتصرف على أساس أنها حركة سياسية إسرائيلية تشارك في الحياة السياسية والعامة في إسرائيل وعلى أساس حقوق وواجبات المواطنة الإسرائيلية، ويمثل حل الدولة ثنائية القومية أملا كبيرا بل وانتصارا بالنسبة لهم، وأما فكرة العودة إلى إسرائيل (فلسطين 1948) والحصول على الجنسية الإسرائيلية فهي تمثل مطلبا كبيرا وأمنية غالية بالنسبة لفلسطينيي 1948، ولن يقبل أحد من الفلسطينيين الإسرائيليين (الإخوان المسلمون منهم أو غيرهم) أن تنزع منهم الجنسية الإسرائيلية ليستبدل بها جنسية فلسطينية، ولا أن تضم مناطق التجمعات الفلسطينية في إسرائيل إلى الدولة الفلسطينية القادمة.
وفي الحقيقة فإن تصريح أبو الفتوح يمثل واقع الحال والمطالب العملية للشعب الفلسطيني بعامة، ويعبر أيضا عن سقف أعلى بكثير مما تقبل به حركة حماس اليوم، ولكن ما كان ينقص أبو الفتوح هو أن يقول إن حل الدولة العلمانية ثنائية القومية هو الفكرة الإسلامية المطلوبة التي تنسجم مع كون القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية وأن فلسطين هي محضن المقدسات الإسلامية، وأن هذا الحل مستمد من الكتاب والسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين! فالفرق بين حماس وبين الإخوان المسلمين في مصر أو أبو الفتوح هو أن حماس مع مركزية القضية الفلسطينية إسلاميا وقدسيتها وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 إلى جوار إسرائيل والتي سيكون انتصارا فلسطينيا أكبر من انتصار إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أن تكون (إسرائيل) علمانية ثنائية القومية، وأما أبو الفتوح فقد دعا إلى ما تطالب به حركة حماس وتتمناه بدون إضافة النكهة الإسلامية.
وبالطبع فإنه من المنطقي (نظريا على الأقل) أن يصوغ الفلسطينيون وحدهم رؤيتهم ويحددوا مصالحهم ومطالبهم وأن يطالبوا بإجماع عربي وإسلامي وراء هذه الرؤية والمطالب، وأن تكون حماس هي بوصلة الحركة الإسلامية العربية والعالمية في القضية الفلسطينية، ولكن حجم التحولات في اتجاه حركة حماس كان انقلابا في البوصلة، وربما إلغاء لدورها، فقد حولت حماس بنفسها القضية الفلسطينية إلى شأن فلسطيني إسرائيلي، ولم تعد وكما خططت حماس وأرادت قضية عربية أو إسلامية إلا بمقدار المقتضيات الجغرافية السياسية، وأصبح أمرا خياليا أن تجعل حماس من انتخابات بلدية خان يونس أو تشكيل الحكومة والأجهزة الأمنية والتنفيذية في فلسطين قضية مقدسة يجب أن تشغل المسلمين وتحركهم أكثر من حاجة المسلمين إلى الإغاثة والمساعدة في أي مكان في العالم يتعرضون فيه للظلم أو الكوارث.
وهذا ما فتح الباب على مصراعيه للحركات الإسلامية أن تتحرر من الخجل أو السرية في السلوك السياسي والاتصالات والعمل العام متحررة مما كانت تلزم به نفسها إعلاميا وسياسيا ظاهريا على الأقل من قواعد ومبادئ وتقاليد الصراع العربي الإسلامي، والذي لم يعد ولم يكن ابتداء صراع وجود وإنما صراعا لا يختلف عن غيره من الاختلافات والصراعات في العالم والتي يكون العرب والمسلمون طرفا فيها، وقد رأينا بالفعل الحركة الإسلامية في العراق وأفغانستان وتركيا وسورية والمغرب وفي أوروبا والولايات المتحدة تنشئ رؤيتها وبرامجها وأفكارها باعتبارها جماعات وأحزاب سياسية واجتماعية وطنية، ولم يعد ثمة ما يمنع اللقاء والتفاوض مع الأمريكان والأوروبيين والإسرائيليين طالما أن حماس تفعل الشيء نفسه!
وسيكون حديثا عفا عليه الزمن مناقشة مواقف الحركة الإسلامية المتوقعة من قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والقضايا الاجتماعية وتطبيق الشريعة الإسلامية، فهي مسائل لن تحسم الموقف من الحركة الإسلامية كما يبدو في وسائل الإعلام، فالحركة الإسلامية أولا وأخيرا هي جماعات سياسية واجتماعية تعبر عن تفاعلات سياسية واجتماعية وستتحرك وتتصرف كما الأحزاب والجماعات وفق ما يعيد انتخابها ويحافظ على بقائها في موقع التأثير في المجتمع والدولة، وأما الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية والتفسير الأيديولوجي لمواقف الحركة الإسلامية ورؤاها أو فهم العلاقة بين الولايات المتحدة وبين الإسلام والعالم الإسلامي على أساس أيديولوجي فهو لا يصلح أكثر من تغطية السياسات والمصالح القائمة، فالايدولوجيا على مدى التاريخ والجغرافيا تتبع السياسة والمصالح وليس العكس.
ربما لم تكن حماس جسرا بين الحركات الإسلامية والولايات المتحدة، لكنها عمليا فتحت لها المجال وأسقطت المحرمات السياسية والأيديولوجية السابقة، وكما وضعت حماس الحركات والمجتمعات العربية في زاوية الانتفاضة والكفاح وإسقاط كل برنامج إصلاحي ووطني غير "القضية المركزية للأمة الإسلامية" فستقودها إلى التخلي عن مقولات الهيمنة والاحتلال والصراع الاستراتيجي لأجل الانتخابات، طالما أن المجتمعات ستكسب الديمقراطية وإن خسرت الحرب مع الصليبية والصهيونية.
ولم يطل الانتظار لتبقى هذه الأسئلة مجرد مغامرات تحليلية، فقد توالت الأخبار والتصريحات والمقابلات الصحفية عن سلسلة من اللقاءات والمفاوضات بين حماس وبين الأوروبيين والغربيين والإسرائيليين.
ولكن حدث أيضا مؤخرا تطور لافت، فقد ذكر عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أن جماعة الإخوان المسلمين تؤيد تأسيس دولة علمانية ثنائية القومية في فلسطين، كحل نهائي للصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويبدو أنه تصريح أثار اعتراض قيادة حماس ليصرح المرشد العام معقبا بأن موقف الجماعة من القضية الفلسطينية، يقوم أساسا على "أن فلسطين إسلامية بما تحتضنه من مقدسات المسلمين" ولكن هل يتناقض تصريح عاكف مع أبو الفتوح؟ فهل تعني إسلامية القضية الفلسطينية أنها ضد دولة علمانية ثنائية القومية؟ إن قادة حماس صرحوا مرارا بتأييد حل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، والحركة الإسلامية في إسرائيل تتصرف على أساس أنها حركة سياسية إسرائيلية تشارك في الحياة السياسية والعامة في إسرائيل وعلى أساس حقوق وواجبات المواطنة الإسرائيلية، ويمثل حل الدولة ثنائية القومية أملا كبيرا بل وانتصارا بالنسبة لهم، وأما فكرة العودة إلى إسرائيل (فلسطين 1948) والحصول على الجنسية الإسرائيلية فهي تمثل مطلبا كبيرا وأمنية غالية بالنسبة لفلسطينيي 1948، ولن يقبل أحد من الفلسطينيين الإسرائيليين (الإخوان المسلمون منهم أو غيرهم) أن تنزع منهم الجنسية الإسرائيلية ليستبدل بها جنسية فلسطينية، ولا أن تضم مناطق التجمعات الفلسطينية في إسرائيل إلى الدولة الفلسطينية القادمة.
وفي الحقيقة فإن تصريح أبو الفتوح يمثل واقع الحال والمطالب العملية للشعب الفلسطيني بعامة، ويعبر أيضا عن سقف أعلى بكثير مما تقبل به حركة حماس اليوم، ولكن ما كان ينقص أبو الفتوح هو أن يقول إن حل الدولة العلمانية ثنائية القومية هو الفكرة الإسلامية المطلوبة التي تنسجم مع كون القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية وأن فلسطين هي محضن المقدسات الإسلامية، وأن هذا الحل مستمد من الكتاب والسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين! فالفرق بين حماس وبين الإخوان المسلمين في مصر أو أبو الفتوح هو أن حماس مع مركزية القضية الفلسطينية إسلاميا وقدسيتها وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 إلى جوار إسرائيل والتي سيكون انتصارا فلسطينيا أكبر من انتصار إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أن تكون (إسرائيل) علمانية ثنائية القومية، وأما أبو الفتوح فقد دعا إلى ما تطالب به حركة حماس وتتمناه بدون إضافة النكهة الإسلامية.
وبالطبع فإنه من المنطقي (نظريا على الأقل) أن يصوغ الفلسطينيون وحدهم رؤيتهم ويحددوا مصالحهم ومطالبهم وأن يطالبوا بإجماع عربي وإسلامي وراء هذه الرؤية والمطالب، وأن تكون حماس هي بوصلة الحركة الإسلامية العربية والعالمية في القضية الفلسطينية، ولكن حجم التحولات في اتجاه حركة حماس كان انقلابا في البوصلة، وربما إلغاء لدورها، فقد حولت حماس بنفسها القضية الفلسطينية إلى شأن فلسطيني إسرائيلي، ولم تعد وكما خططت حماس وأرادت قضية عربية أو إسلامية إلا بمقدار المقتضيات الجغرافية السياسية، وأصبح أمرا خياليا أن تجعل حماس من انتخابات بلدية خان يونس أو تشكيل الحكومة والأجهزة الأمنية والتنفيذية في فلسطين قضية مقدسة يجب أن تشغل المسلمين وتحركهم أكثر من حاجة المسلمين إلى الإغاثة والمساعدة في أي مكان في العالم يتعرضون فيه للظلم أو الكوارث.
وهذا ما فتح الباب على مصراعيه للحركات الإسلامية أن تتحرر من الخجل أو السرية في السلوك السياسي والاتصالات والعمل العام متحررة مما كانت تلزم به نفسها إعلاميا وسياسيا ظاهريا على الأقل من قواعد ومبادئ وتقاليد الصراع العربي الإسلامي، والذي لم يعد ولم يكن ابتداء صراع وجود وإنما صراعا لا يختلف عن غيره من الاختلافات والصراعات في العالم والتي يكون العرب والمسلمون طرفا فيها، وقد رأينا بالفعل الحركة الإسلامية في العراق وأفغانستان وتركيا وسورية والمغرب وفي أوروبا والولايات المتحدة تنشئ رؤيتها وبرامجها وأفكارها باعتبارها جماعات وأحزاب سياسية واجتماعية وطنية، ولم يعد ثمة ما يمنع اللقاء والتفاوض مع الأمريكان والأوروبيين والإسرائيليين طالما أن حماس تفعل الشيء نفسه!
وسيكون حديثا عفا عليه الزمن مناقشة مواقف الحركة الإسلامية المتوقعة من قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والقضايا الاجتماعية وتطبيق الشريعة الإسلامية، فهي مسائل لن تحسم الموقف من الحركة الإسلامية كما يبدو في وسائل الإعلام، فالحركة الإسلامية أولا وأخيرا هي جماعات سياسية واجتماعية تعبر عن تفاعلات سياسية واجتماعية وستتحرك وتتصرف كما الأحزاب والجماعات وفق ما يعيد انتخابها ويحافظ على بقائها في موقع التأثير في المجتمع والدولة، وأما الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية والتفسير الأيديولوجي لمواقف الحركة الإسلامية ورؤاها أو فهم العلاقة بين الولايات المتحدة وبين الإسلام والعالم الإسلامي على أساس أيديولوجي فهو لا يصلح أكثر من تغطية السياسات والمصالح القائمة، فالايدولوجيا على مدى التاريخ والجغرافيا تتبع السياسة والمصالح وليس العكس.
ربما لم تكن حماس جسرا بين الحركات الإسلامية والولايات المتحدة، لكنها عمليا فتحت لها المجال وأسقطت المحرمات السياسية والأيديولوجية السابقة، وكما وضعت حماس الحركات والمجتمعات العربية في زاوية الانتفاضة والكفاح وإسقاط كل برنامج إصلاحي ووطني غير "القضية المركزية للأمة الإسلامية" فستقودها إلى التخلي عن مقولات الهيمنة والاحتلال والصراع الاستراتيجي لأجل الانتخابات، طالما أن المجتمعات ستكسب الديمقراطية وإن خسرت الحرب مع الصليبية والصهيونية.
تعليق