القول السديد في الرد على إمامة أمينة ودود بقلم د.هاني السباعي
تنبيه
الأخوة الفضلاء نعيد نشر هذا البحث الشرعي المبسط لفضيلة الشيخ د.هاني السباعي بعد تكرار الرويبضة أمينة ودود محاولتها الفاشلة في إمامة حفنة من الأشخاص في المركز الماسوني بأكسفورد في بريطانيا أمس الجمعة بتاريخ 17/10/2008م. (المشرف على موقع المقريزي)
القول السديد في الرد على إمامة أمينة ودود
حكم إمامة المرأة للرجال في الصلاة
بحث شرعي مبسط
بقلم د. هاني السباعي
hanisibu@hotmail.com
مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
هذا بحث شرعي مبسط أقدمه لإخواننا طلبة العلم المبتدئين، ولكل من يهمه أمر المسلمين. نسأل الله أن يستخدمنا لنصرة دينه. وقد سرت في هذا البحث المتواضع على النحو التالي:
أولاً: تقدمة.
ثانياً: هل صلاة الجمعة واجبة في الأصل على المرأة؟
ثالثاً: أدلة القائلين بإمامة المرأة للرجال في الصلاة.
رابعاً: أدلة القائلين بعدم جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة.
خامساً: نتف من أقوال علماء المذاهب الإسلامية.
صفوة القول.
تقدمة:
أستهل كلامي بحكاية ذكرها العلامة الونشريسي المتوفى سنة 914هـ في كتابه الماتع والموسوعي (المعيار المعرب) في الفرق بين علم القضاء وفقه القضاء وعلم الفتيا وفقه الفتيا: "ومن هذا المعنى ما ذكره ابن الرقيق أن أمير إفريقية استفتى أسد بن الفرات في دخول الحمام مع جواريه دون ساتر له ولهن، فأفتاه بالجواز لأنهن ملكه، فأجاب ابن محرز بمنع ذلك وقال له: إن جاز نظرهن كذلك، ونظرهن إليك كذلك، لم يجز نظر بعضهن بعضاً، فأغفل أسد النظر في هذه الصورة الجزئية فلم يعتبر حالتهن فيما بينهن، واعتبره ابن محرز"[1]
أقول: الشاهد من هذه القصة أن هناك فرقاً بين كون الشخص عالماً بالشئ، وبين كونه فقيهاً فيه، وهو الفرق نفسه بين العلم بالفتيا والفقه بالفتيا؛ فقد يكون الشخص عالماً بالأحكام الكلية للفتيا أو القضاء، لكنه ليس فقيهاً في الفتيا أو القضاء إذ أن الفقه في الفتيا أو القضاء هو العلم بالأحكام مع تنزيلها على النوازل وواقعات الدعوى وهو ما أراد أن يؤكد عليه الونشريسي إذ يقول: "إنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وانطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، وهو عسير على كثير من الناس، فتجد الرجل يحفظ كثيراً من الفقه ويفهمه ويعلمه غيره، فإذا سئل عن واقعة لبعض العوام من مسائل الصلاة أو مسألة من الأعيان لا يحسن الجواب، بل ولا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر"[2]
لعل ما ذكره الونشريسي ينطبق على حالة الذين أفتوا تلكم المرأة (أمينة ودود) الأمريكية بجواز إمامتها للصلاة بسبب تمسكهم بشبهة تصيدوها من أحكام وأقوال مبثوثة في كتب الفقه فأفتوا لهذه المرأة أو هي أفتت لنفسها ولمن يحركها من أعداء الإسلام فصارت عالمة حسب مقاييسهم! لكنهم عندما أنزلوا الحكم على الواقع (إمامة المرأة لصلاة الجمعة) ضلوا ولم يفهموا مراد الحديث النبوي ولم يأخذوا في الاعتبار مواضيع أخرى متصلة بالصلاة مثل قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)[3]، وقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)[4]، وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (« يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ"[5] وحيث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: "قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى"[6] وأحاديث أخرى كان ينبغي لمن أفتى بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة أن يضمها إلى سائر الأدلة لكي يكون عالماً بفقه الفتوى التي أشار إليها صاحب المعيار المعرب.
ثانياً: هل صلاة الجمعة واجبة على المرأة:
قال ابن القيم في خصائص يوم الجمعة: "الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاوناً بها، طبع الله على قلبه، وقُربُ أهل الجنة يوم القيامة، وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم"[7]
أقول: أما من أداها استخفافاً واستهزاءً بهذه الشعيرة العظيمة كما فعلت وتفعل هذه المرأة الأمريكية (أمينة ودود) ومثيلاتها ومن يؤيدها ومن يكثر سوادها ويذب عنها فإنهم جميعاً على شفا هلكة ونحسب أن آية براءة قد شملتهم (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)[8]
استدل القائلون بعدم وجوب الجمعة على المرأة:
بحديث قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِى جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِىٌّ أَوْ مَرِيضٌ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَدْ رَأَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا"[9]
وكما هو معلوم فإرسال الصحابي حجة عند جمهور العلماء وقد استشهد الزيلعي بقول النووي في الخلاصة: "وهذا غير قادح في صحته، فإنه يكون مرسل صحابي، وهو حجة ، والحديث على شرط الصحيحين"[10] وحكم الألباني عليه بالصحة في صحيح الجامع.[11]
قال الصنعاني: "والمرأة وهو مجمع على عدم وجوبها عليها"[12]
وقال الشوكاني في تعليقه على الحديث المذكور:
"فيه عدم وجوب الجمعة على النساء، أما غير العجائز (يقصد الشابة) فلا خلاف في ذلك، وأما العجائز فقال الشافعي: يستحب لهن حضورها"[13]
وقال في بداية المبتدي: "ولا تجب الجمعة على مسافر، ولا امرأة، ولا مريض، ولا عبد، ولا أعمى"[14]
وقال ابن العربي في شروط صلاة الجمعة: "العقل، والذكورية، والبلوغ، والقدرة، والإقامة، والقرية"[15]
قال الخرقي: "ولا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة"[16]
قال الغزالي فيمن تلزمه الجمعة: "ولا تلزم إلا على مكلف، حر، ذكر، مقيم، صحيح؛ فالعاري من هذه الصفات لا يلزم فإن حضر لم يتم العدد به سوى المريض"[17]
قال ابن قدامة: "وأما المرأة فلا خلاف في أنها لا جمعة عليها قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ولذلك لا تجب عليها جماعة"[18]
وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: "واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال. وهم يعلمون أنها امرأة فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإجماع"[19]
وفي فتاوى مشيخة الأزهر سئل الشيخ عطية صقر: " تذهب بعض النساء لصلاة الجمعة فى المسجد ، فهل صلاتها واجبة عليها بحيث لو لم تصلها تعاقب عليها ؟
أجاب: "صلاة الجمعة غير واجبة على المرأة ، وذلك للحديث الذى رواه أبو داود والحاكم ، وصححه غير واحد " الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة ، إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض (ولحديث أم عطية الذي أخرجه ابن خزيمة: نهينا عن اتباع الجنائز، ولا جمعة علينا.) لكن مع ذلك لو صلت الجمعة صحت وأغنتها عن صلاة الظهر باتفاق الفقهاء ، وهل يستحب لها صلاتها ؟ قال الأحناف: الأفضل لها أن تصلى فى بيتها ظهرا، لمنعها عن الجمعة، سواء أكانت عجوزًا أم غيرها، وقال المالكية: إن كانت عجوزًا لا أرب للرجال فيها جاز حضورها الجمعة، وإن كان فيها أرب كره حضورها، أما الشابة فإن خيف من حضورها الفتنة حرم عليها الحضور، وإلا كره. وقال الحنابلة: يباح لها الحضور لصلاة الجمعة إن كانت غير حسناء، فإن كانت حسناء كره. وقال الشافعية: يكره للمرأة حضور الجماعة إن كانت مشتهاة ولو فى ثياب بالية، وكذا غير المشتهاة إن تزينت أو تطيبت. وكل ذلك إذا أذن لها وليها بالحضور، وإلا حرم عليها حضور الجماعة كما يحرم حضورها إذا خيفت الفتنة "[20]
وفي فقه الإمامية: قال الحلي فيمن يجب عليه صلاة الجمعة: "ويراعى فيه شروط سبعة: التكليف، والذكورة والحرية، والحضر، والسلامة من العمى والمرض والعرج..."[21]
قال الطوسي في النهاية تحت عنوان باب الجمعة وأحكامها: "وتسقط عن تسعة نفر: الشيخ الكبير، والطفل الصغير، والمرأة..."[22]
ثالثاً: أدلة من يرى إمامة المرأة للرجال في الصلاة:
استند القائلون بهذا الرأي بالأدلة التالية:
(1): الدليل الأول:
حديث أم ورقة الأنصارية رضي الله عنها:
"عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِى فِى الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى شَهَادَةً. قَالَ (قِرِّى فِى بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ). قَالَ فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةَ. قَالَ وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ تَتَّخِذَ فِى دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ لَهَا قَالَ وَكَانَتْ دَبَّرَتْ غُلاَمًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِى النَّاسِ فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ"[23]
أقول: الحديث حسن ورواه ابن خزيمة أيضاً بسند حسن. وفي رواية أخرى لأبي داود قال راوي الحديث: عبد الرحمن بن خلاد: "فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا"[24]
وفي سنن الدراقطني: "حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ لَهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ وَتَؤُمَّ نِسَاءَهَا"[25]
نلاحظ أن في هذه الرواية نصاً على (وتؤم نساءها) أي أنها فسرت لنا الرواية الأخرى التي في سنن أبي داود وغيره (وأمرها أن تؤم أهل دارها)[26]
إذن تعلقهم بإمامة هذا الشيخ الكبير الذي أذن لها بأنه صلى وراءها تعلق ضعيف! وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر لها بامرأة تؤذن لها وهي تردد كلمات شرعية محضة فهل يجيز لها أن تؤم الرجال وهي تجهر بقراءة القرآن؟!. فهذا الحديث لا تنهض به حجة من يقول بإمامة المرأة للرجال لما فيه من الاحتمال طبقاً للقاعدة الأصولية التي اعتمدها متأخروا فقهاء المذاهب الإسلامية (ما تطرق به الاحتمال بطل به الاستدلال).
أما من فسر حديث أم ورقة بجواز إمامتها للرجل في النفل والتراويح دون الفرائض فلا وجه لتخصيصه لما ورد في رواية أخرى (تؤمهم في الفريضة) كما في سنن البيهقي: " وَأَمَرَ أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ وَتَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا فِى الْفَرَائِضِ"[27] وكما هو معلوم فالأذان لا يكون إلا للفرائض.
أقول: فهذا الحديث هو عمدة ما استند عليه من يقول بإمامة المرأة للنساء والرجال وسبب ذلك أنهم يقولون إن الني صلى الله عليه وسلم عين لها رجلاً يؤذن لها وكانت تؤمه مع أهل دارها إذن يصح لها أن تؤم الرجال وتخطب الجمعة أيضاً كما ذكر من زينوا للمرأة الأمريكية التي تدعى (أمينة ودود) بجواز إمامتها للرجال في الصلاة وجواز أدائها خطبة الجمعة.
مناقشة هذا الرأي:
نلاحظ أن الحديث لم يذكر لنا أن الرجل كان من أهلها أم لا؟ إذن فلعله من غيرأهلها؟ أو أنه كان يؤذن لها ثم يذهب ليصلي مع الصحابة في المسجد لأنه كان يؤذن لإعلامها بأوقات الصلاة أو أنه كان شيخاً كبيراً مقعداً فكان يصلي وحده بعد أن تنتهي أو يصلي وراءها على رأي من قال إنه كان من أهلها، ولم يكن يحسن قراءة القرآن مثلها فكانت هي أولى بالإمامة لأنها اقرأ منه وهو من محارمها على قول من يرى صحة إمامة المرأة لأهل دارها. وهو استثناء لا يجوز التوسع فيه لأن الأصل أن الإمامة في الصلاة للرجال للأدلة التي سنذكرها فيما بعد.
(2): الدليل الثاني:
استنادهم إلى قول أبي ثور والمزني والطبري بجواز إمامة المرأة للرجال:
مناقشة هذا الرأي: لا يوجد كتاب مستقل لأبي ثور ولا للطبري مدون فيه هذا الرأي بل إن القائلين بهذا الرأي اعتمدوا على قول أبي ثور والطبري من خلال ما ذكره ابن رشد وابن قدامة وبعض الفقهاء من باب الأمانة العلمية لبعض الآراء الشاذة المنسوبة إلى أبي ثور والطبري وغيره.هذا ما سنبينه من خلال نقل بعض أقوال الفقهاء:
قال ابن رشد: "المسألة الرابعة اختلفوا في إمامة المرأة فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال واختلفوا في إمامتها النساء فأجاز ذلك الشافعي ومنع ذلك مالك وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول ولأنه أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام أخروهن حيث أخرهن الله ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذ كن متساويات في المرتبة في الصلاة مع أنه أيضا نقل ذلك عن بعض الصدر الأول"[28]
أقول: لم يجز الطبري إمامة المرأة للرجل في الصلاة على الإطلاق بل إنه أجازها بشرط كما قال الصنعاني: "أن المرأة لا تؤم الرجل وهو مذهب الهادوية والحنفية والشافعية وغيرهم، وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة، وأجاز الطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن"[29]
كلام صاحب المغني تعليقاً على الخرقي:
"مسألة قال (وإن صلى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل أعاد الصلاة) وجملته أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه بحال سواء علم بكفره بعد فراغه من الصلاة أو قبل ذلك وعلى من صلى وراءه الإعادة، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور والمزني لا إعادة على من صلى خلفه وهو لا يعلم لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله فأشبه ما لو ائتم بمحدث. ولنا إنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة فلم تصح صلاته كما لو ائتم بمجنون، وأما المحدث فيشترط أن لا يعلم حدث نفسه والكافر يعلم حال نفسه وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء وقال أبو ثور لا إعادة على من صلى خلفها وهو قياس قول المزني"[30]
أقول: إذا أمعنا النظر في كلام ابن قدامة نجد أن صورة المسألة تكون على النحو التالي:
رجل صلى خلف كافر ولم يعلم أنه كافر أو أنه كان يعلم قبل الصلاة.
فالشافعي وأصحاب الرأي وأصحاب المذاهب الإسلامية قاطبة ومعهم أبو ثور والمزني والطبري قالوا لا تصح الصلاة وراء الكافر إذا علم المأموم أنه كافر قبل الصلاة.
أما الخلاف هو شاذ إذا صلى المأموم خلف إمام كافر ثم تبين له بعد الصلاة أنه كافر فهل تصح صلاته وهل يعيد فعلى رأي أبي ثور والمزني والطبري لا إعادة عليه وحجتهم في ذلك أن المأموم صلى خلفه وهو لا يعلم أنه كافر لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله فأشبه بحال ما لو ائتم بمحدث.
لذلك قالوا إن من صلى خلف امرأة وهو لا يعلم فإن صلاته صحيحة قياساً على من صلى وراء شخص محدث (أخرج ريحاً أو كان جنباً أو لم يكن متوضئاً في الأصل حسب رأي أبي ثور والمزني والطبري وهذا ما ذكره ابن قدامة في الفقرة السابقة: (وقال أبو ثور لا إعادة على من صلى خلفها وهو قياس قول المزني).
ولعل قائلاً يقول: ماذا يقصد ابن قدامة من هذه العبارة وهو قياس قول المزني؟
أقول: إن المزني قال بصحة الصلاة خلف المرأة أو الكافر للمأموم الذي لا يعلم أن الإمام امرأة أو أن الإمام كافر قياساً على رأيه القائل أن من صلى خلف المحدث وهو لا يعلم أنه محدث فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه حتى لو علم بعد الصلاة. هكذا تبين لنا بجلاء أصل المسألة التي يتخذها تكأة القائلون بجواز إمامة المرأة للرجال معتمدين على رأي شاذ لأبي ثور والمزني رغم أنهما لم يفتيا بصحة صلاة المأموم الذي يصلي وهو يعلم أن الإمام امرأة.. فلم يقولا ذلك ولم يذهبا إلى ما ذهب إليه القائلون بإمامة المرأة للرجال في الصلاة المفروضة والنافلة.
أما ابن جرير الطبري فإن هناك أقوالاً شاذة مبثوثة في بعض كتب الفقه منسوبة إليه كقوله بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة وقوله بجواز توليتها للقضاء والإمامة الكبرى. ولعل بعض من يعتمد على قول الطبري يأخذه على طريقة (فويل للمصلين)!! فالطبري كما يقول الصنعاني: "وأجاز الطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن وحجتهم حديث أم ورقة"[31] إذن الطبري يجيز إمامة المرأة للصلاة التراويح وليس الفريضة ويشترط ألا يوجد من يحفظ القرآن غيرها. ويستند إلى حديث أم ورقة الأنصارية والحديثة حجة عليهم لا لهم لأنها كانت تؤم أهل دارها ومحارمها على افتراض وجود الشيخ الكبير فإنه قد يكون من محارمها وتكون هذه حالة خاصة بأم ورقة ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لغيرها.
وعلى أية حال فبعد التحقيق والتمحيص في الكتب المطبوعة للطبري لم نجد لهذه الآراء ذكراً في كتبه خاصة كتابه الشهير جامع البيان عن تأويل آي القرآن المسمى بتفسير الطبري الذي يتعرض فيه للعديد من المسائل الفقهية حيث يناقش ويفند ويرجح ما يراه فلم نعثر على القول المنسوب إليه في هذا الكتاب فعلى سبيل المثال عندما تعرض لتفسير آية سورة النساء (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا...الآية). يقول الطبري: يعني بقوله جل ثناؤه: (الرجال قوامون على النساء) الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهن؛ (بما فضل الله بعضهم على بعض): يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن، وإنفاقهن عليهن أموالهن، وكفايتهن إياهن مؤنهن. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهن عليهن، ولذلك صاروا قوّاماً، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهنّ"[32]
فهذا قول الطبري في مسألة القوامة فهل يناقض نفسه ويجيز للمرأة أن تتولى الولاية الصغرى (إمامة الصلاة للرجال) والولاية العامة كالقضاء ورياسة الدولة؟!!
أما من يجيز إمامة المرأة للرجال في صلاة التراويح وليس في الفريضة وهو قول بعض الحنابلة إذ يقول ابن قدامة: "وقال بعض أصحابنا يجوز أن تؤم الرجال في التراويح وتكون وراءهم لما روي عن أم ورقة بنت عبد الله أن رسول الله صلى الله جعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود وهذا عام في الرجال والنساء"[33]
وقد ذكر المرداوي الحنبلي هذه الصورة بقوله:
" قال القاضي في المجرد ولا يجوز في غير التراويح: فعلى هذه الرواية قيل يصح إن كانت قارئة وهم أميون جزم به في المذهب والفائق وبن تميم والحاويين قال الزركشي وقدمه ناظم المفردات والرعاية الكبرى وقيل إن كانت أقرأ من الرجال وقيل إن كانت أقرأ وذا رحم وجزم به في المستوعب وقيل إن كانت ذا رحم أو عجوزاً، واختار القاضي يصح إن كانت عجوزاً. قال في الفروع واختار الأكثر صحة إمامتها في الجملة لخبر أم ورقة العام والخاص"[34]
ويذكر صاحب الإنصاف كيف تؤم المرأة الرجال في صلاة التراويح: "فائدة حيث قلنا تصح إمامتها بهم فإنها تقف خلفهم لأنه أستر ويقتدون بها" وينقل صاحب الإنصاف عن أحد الحنابلة قوله: "وعنه تقتدي هي بهم في غير القراءة فينوي الإمامة أحدهم"[35]
أقول: هذا الرأي في غاية العجب! يجيزون للمرأة أن تكون إماماً للرجال بشرطين:
(أ): الشرط الأول: أن تكون إماماً للرجال في صلاة التراويح وليس الفريضة.
(ب) الشرط الثاني: أن تكون عجوزاً وألا يوجد من الرجال من يحفظ القرآن.
(ب): الشرط الثالث: أن تصلي خلف صفوف الرجال أي أن الرجال وجوههم للقبلة بدون إمام وهي (الإمام) تقف خلفهم ويتبعونها في القراءة وفي الركوع والسجود!!
ولما وجد بعض الحنابلة أن الصورة في الشرط الثالث غير مقبولة لتعارضها مع حديث (إنما جعل الإمام ليؤتم به) قالوا بالصورة التي ذكرها المرداوي وهي أعجب: أن تصلي المرأة خلف الرجال تقرأ فقط والرجال يختارون إماماً منهم يقتدون به في الركوع والسجود بدون القراءة!!
وهذا ما يتمسك به من أفتى للمرأة الأمريكية وحرضها لاقتحام حرم الإمامة بزعم أن ابن قدامة ذكر أن بعض الحنابلة أجازوا ذلك!! وهذا تدليس على ابن قدامة فالصورة كما عرضناها أن ابن قدامة يستعرض رأي بعض الحنابلة على سبيل الاستنكار. وتصداقاً لذلك فإنه يرد على أصحاب هذا الرأي الغريب بقوله: "ولنا (يقصد المعتمد في المذهب الحنبلي) قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تؤمن امرأة رجلاً)، ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون. وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها كذلك رواه الدارقطني. وهذه زيادة يجب قبولها ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه. لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذنا والأذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض ولأن تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل فلا يجوز المصير إليه ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة لكان خاصا لها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة"[36]
رابعاً: أدلة القائلين بعدم جواز إمامة المرأة للرجال:
الدليل الأول:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا"[37]
وفي مسند أحمد: " أَحْسِنُوا إِقَامَةَ الصُّفُوفِ فِى الصَّلاَةِ خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ فِى الصَّلاَةِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ فِى الصَّلاَةِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا"[38]
قال النووي: "أما صفوف الرجال فهي على عمومها فخيرها أولها وشرها أبداً أما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير صفوفهن أولها وشرها آخرها. والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها وثواباً وفضلاً وأبعدها من مطلوب الشرع وخيرها بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال بعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم"[39]
قال الصنعاني: "وقد علل خيريته آخر صفوفهن بأنهن عند ذلك يبعدن عن الرجال وعن رؤيتهن وسماع كلامهم إلا أنها على لا تتم إلا إذا كانت صلاتهن مع الرجال، وأما إذا صلين وإمامتهن امرأة فصفوفها كصفوف الرجال أفضلها أولها"[40]
أقول: فما بالك بامرأة تصلي بالرجال وتختلط النساء بالرجال في صف واحد؛ حذو الكتف بالكتف، ولزق القدم بالقدم!! بل وصل الاستخفاف إلى درجة أن شاهدنا عبر المرئيات بأم أعيننا: تقام صلاة الجمعة في كنيسة في أميركا: الخطيب امرأة، والإمام امرأة، والمؤذن امرأة سافرة حاسرة، والمأمومون خليط من الرجال والنساء!!
الدليل الثاني:
"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ « قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ » . قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ "[41]
قال الصنعاني: "وعلى أن المرأة لا تصف مع الرجال"[42]
أقول: ومن باب أولى ألا تصلي إماماً بالرجال.
الدليل الثالث:
"لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ « لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً"[43]
قال الخطابي: "في الحديث أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء، وفيه أنه لا تزوج نفسها، ولا تلي العقد على غيرها"[44]
قال الشوكاني: "لأنا نقول قد ورد ما يدل على أنهن لا يصلحن لتولي شيء من الأمور وهذا من جملة الأمور بل هو أعلاها وأشرفها فعموم قوله (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) كما في الصحيحين وغيرهما يفيد منعهن من أن يكون لهن منصب الإمامة في الصلاة للرجال"[45]
الدليل الرابع:
"عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى أَضْحًى - أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَإِنِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ » . فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ » . قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ » . قُلْنَ بَلَى . قَالَ « فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا ، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ » . قُلْنَ بَلَى . قَالَ « فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا"[46]
قال النفرواي المالكي:
"وأشار إلى بيان من يصلح للإمامة بقوله ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم لخبر أئمتكم شفعاؤكم وخبر وليؤمكم أكبركم وقال عليه الصلاة والسلام إن سركم أن تقبل منكم صلاتكم فليؤمكم خياركم فإنه وفد بينكم وبين ربكم فلا يؤمكم إلا الذكور ولا يصح أن تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء لخبر (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وسواء عدمت الرجال أو وجدت لأن الإمامة خطة شريفة في الدين ومن شرائع المسلمين واعلم أن الإمامة لها شروط صحة وشروط كمال فشروط صحتها ثلاثة عشر أولها الذكورة المحققة فلا تصح إمامة المرأة"[47]
يتبع,,,,,,,
تنبيه
الأخوة الفضلاء نعيد نشر هذا البحث الشرعي المبسط لفضيلة الشيخ د.هاني السباعي بعد تكرار الرويبضة أمينة ودود محاولتها الفاشلة في إمامة حفنة من الأشخاص في المركز الماسوني بأكسفورد في بريطانيا أمس الجمعة بتاريخ 17/10/2008م. (المشرف على موقع المقريزي)
القول السديد في الرد على إمامة أمينة ودود
حكم إمامة المرأة للرجال في الصلاة
بحث شرعي مبسط
بقلم د. هاني السباعي
hanisibu@hotmail.com
مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
هذا بحث شرعي مبسط أقدمه لإخواننا طلبة العلم المبتدئين، ولكل من يهمه أمر المسلمين. نسأل الله أن يستخدمنا لنصرة دينه. وقد سرت في هذا البحث المتواضع على النحو التالي:
أولاً: تقدمة.
ثانياً: هل صلاة الجمعة واجبة في الأصل على المرأة؟
ثالثاً: أدلة القائلين بإمامة المرأة للرجال في الصلاة.
رابعاً: أدلة القائلين بعدم جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة.
خامساً: نتف من أقوال علماء المذاهب الإسلامية.
صفوة القول.
تقدمة:
أستهل كلامي بحكاية ذكرها العلامة الونشريسي المتوفى سنة 914هـ في كتابه الماتع والموسوعي (المعيار المعرب) في الفرق بين علم القضاء وفقه القضاء وعلم الفتيا وفقه الفتيا: "ومن هذا المعنى ما ذكره ابن الرقيق أن أمير إفريقية استفتى أسد بن الفرات في دخول الحمام مع جواريه دون ساتر له ولهن، فأفتاه بالجواز لأنهن ملكه، فأجاب ابن محرز بمنع ذلك وقال له: إن جاز نظرهن كذلك، ونظرهن إليك كذلك، لم يجز نظر بعضهن بعضاً، فأغفل أسد النظر في هذه الصورة الجزئية فلم يعتبر حالتهن فيما بينهن، واعتبره ابن محرز"[1]
أقول: الشاهد من هذه القصة أن هناك فرقاً بين كون الشخص عالماً بالشئ، وبين كونه فقيهاً فيه، وهو الفرق نفسه بين العلم بالفتيا والفقه بالفتيا؛ فقد يكون الشخص عالماً بالأحكام الكلية للفتيا أو القضاء، لكنه ليس فقيهاً في الفتيا أو القضاء إذ أن الفقه في الفتيا أو القضاء هو العلم بالأحكام مع تنزيلها على النوازل وواقعات الدعوى وهو ما أراد أن يؤكد عليه الونشريسي إذ يقول: "إنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وانطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، وهو عسير على كثير من الناس، فتجد الرجل يحفظ كثيراً من الفقه ويفهمه ويعلمه غيره، فإذا سئل عن واقعة لبعض العوام من مسائل الصلاة أو مسألة من الأعيان لا يحسن الجواب، بل ولا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر"[2]
لعل ما ذكره الونشريسي ينطبق على حالة الذين أفتوا تلكم المرأة (أمينة ودود) الأمريكية بجواز إمامتها للصلاة بسبب تمسكهم بشبهة تصيدوها من أحكام وأقوال مبثوثة في كتب الفقه فأفتوا لهذه المرأة أو هي أفتت لنفسها ولمن يحركها من أعداء الإسلام فصارت عالمة حسب مقاييسهم! لكنهم عندما أنزلوا الحكم على الواقع (إمامة المرأة لصلاة الجمعة) ضلوا ولم يفهموا مراد الحديث النبوي ولم يأخذوا في الاعتبار مواضيع أخرى متصلة بالصلاة مثل قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)[3]، وقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)[4]، وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (« يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ"[5] وحيث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: "قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى"[6] وأحاديث أخرى كان ينبغي لمن أفتى بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة أن يضمها إلى سائر الأدلة لكي يكون عالماً بفقه الفتوى التي أشار إليها صاحب المعيار المعرب.
ثانياً: هل صلاة الجمعة واجبة على المرأة:
قال ابن القيم في خصائص يوم الجمعة: "الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاوناً بها، طبع الله على قلبه، وقُربُ أهل الجنة يوم القيامة، وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم"[7]
أقول: أما من أداها استخفافاً واستهزاءً بهذه الشعيرة العظيمة كما فعلت وتفعل هذه المرأة الأمريكية (أمينة ودود) ومثيلاتها ومن يؤيدها ومن يكثر سوادها ويذب عنها فإنهم جميعاً على شفا هلكة ونحسب أن آية براءة قد شملتهم (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)[8]
استدل القائلون بعدم وجوب الجمعة على المرأة:
بحديث قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِى جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِىٌّ أَوْ مَرِيضٌ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَدْ رَأَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا"[9]
وكما هو معلوم فإرسال الصحابي حجة عند جمهور العلماء وقد استشهد الزيلعي بقول النووي في الخلاصة: "وهذا غير قادح في صحته، فإنه يكون مرسل صحابي، وهو حجة ، والحديث على شرط الصحيحين"[10] وحكم الألباني عليه بالصحة في صحيح الجامع.[11]
قال الصنعاني: "والمرأة وهو مجمع على عدم وجوبها عليها"[12]
وقال الشوكاني في تعليقه على الحديث المذكور:
"فيه عدم وجوب الجمعة على النساء، أما غير العجائز (يقصد الشابة) فلا خلاف في ذلك، وأما العجائز فقال الشافعي: يستحب لهن حضورها"[13]
وقال في بداية المبتدي: "ولا تجب الجمعة على مسافر، ولا امرأة، ولا مريض، ولا عبد، ولا أعمى"[14]
وقال ابن العربي في شروط صلاة الجمعة: "العقل، والذكورية، والبلوغ، والقدرة، والإقامة، والقرية"[15]
قال الخرقي: "ولا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة"[16]
قال الغزالي فيمن تلزمه الجمعة: "ولا تلزم إلا على مكلف، حر، ذكر، مقيم، صحيح؛ فالعاري من هذه الصفات لا يلزم فإن حضر لم يتم العدد به سوى المريض"[17]
قال ابن قدامة: "وأما المرأة فلا خلاف في أنها لا جمعة عليها قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ولذلك لا تجب عليها جماعة"[18]
وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: "واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال. وهم يعلمون أنها امرأة فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإجماع"[19]
وفي فتاوى مشيخة الأزهر سئل الشيخ عطية صقر: " تذهب بعض النساء لصلاة الجمعة فى المسجد ، فهل صلاتها واجبة عليها بحيث لو لم تصلها تعاقب عليها ؟
أجاب: "صلاة الجمعة غير واجبة على المرأة ، وذلك للحديث الذى رواه أبو داود والحاكم ، وصححه غير واحد " الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة ، إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض (ولحديث أم عطية الذي أخرجه ابن خزيمة: نهينا عن اتباع الجنائز، ولا جمعة علينا.) لكن مع ذلك لو صلت الجمعة صحت وأغنتها عن صلاة الظهر باتفاق الفقهاء ، وهل يستحب لها صلاتها ؟ قال الأحناف: الأفضل لها أن تصلى فى بيتها ظهرا، لمنعها عن الجمعة، سواء أكانت عجوزًا أم غيرها، وقال المالكية: إن كانت عجوزًا لا أرب للرجال فيها جاز حضورها الجمعة، وإن كان فيها أرب كره حضورها، أما الشابة فإن خيف من حضورها الفتنة حرم عليها الحضور، وإلا كره. وقال الحنابلة: يباح لها الحضور لصلاة الجمعة إن كانت غير حسناء، فإن كانت حسناء كره. وقال الشافعية: يكره للمرأة حضور الجماعة إن كانت مشتهاة ولو فى ثياب بالية، وكذا غير المشتهاة إن تزينت أو تطيبت. وكل ذلك إذا أذن لها وليها بالحضور، وإلا حرم عليها حضور الجماعة كما يحرم حضورها إذا خيفت الفتنة "[20]
وفي فقه الإمامية: قال الحلي فيمن يجب عليه صلاة الجمعة: "ويراعى فيه شروط سبعة: التكليف، والذكورة والحرية، والحضر، والسلامة من العمى والمرض والعرج..."[21]
قال الطوسي في النهاية تحت عنوان باب الجمعة وأحكامها: "وتسقط عن تسعة نفر: الشيخ الكبير، والطفل الصغير، والمرأة..."[22]
ثالثاً: أدلة من يرى إمامة المرأة للرجال في الصلاة:
استند القائلون بهذا الرأي بالأدلة التالية:
(1): الدليل الأول:
حديث أم ورقة الأنصارية رضي الله عنها:
"عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِى فِى الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى شَهَادَةً. قَالَ (قِرِّى فِى بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ). قَالَ فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةَ. قَالَ وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ تَتَّخِذَ فِى دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ لَهَا قَالَ وَكَانَتْ دَبَّرَتْ غُلاَمًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِى النَّاسِ فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ"[23]
أقول: الحديث حسن ورواه ابن خزيمة أيضاً بسند حسن. وفي رواية أخرى لأبي داود قال راوي الحديث: عبد الرحمن بن خلاد: "فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا"[24]
وفي سنن الدراقطني: "حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ لَهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ وَتَؤُمَّ نِسَاءَهَا"[25]
نلاحظ أن في هذه الرواية نصاً على (وتؤم نساءها) أي أنها فسرت لنا الرواية الأخرى التي في سنن أبي داود وغيره (وأمرها أن تؤم أهل دارها)[26]
إذن تعلقهم بإمامة هذا الشيخ الكبير الذي أذن لها بأنه صلى وراءها تعلق ضعيف! وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر لها بامرأة تؤذن لها وهي تردد كلمات شرعية محضة فهل يجيز لها أن تؤم الرجال وهي تجهر بقراءة القرآن؟!. فهذا الحديث لا تنهض به حجة من يقول بإمامة المرأة للرجال لما فيه من الاحتمال طبقاً للقاعدة الأصولية التي اعتمدها متأخروا فقهاء المذاهب الإسلامية (ما تطرق به الاحتمال بطل به الاستدلال).
أما من فسر حديث أم ورقة بجواز إمامتها للرجل في النفل والتراويح دون الفرائض فلا وجه لتخصيصه لما ورد في رواية أخرى (تؤمهم في الفريضة) كما في سنن البيهقي: " وَأَمَرَ أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ وَتَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا فِى الْفَرَائِضِ"[27] وكما هو معلوم فالأذان لا يكون إلا للفرائض.
أقول: فهذا الحديث هو عمدة ما استند عليه من يقول بإمامة المرأة للنساء والرجال وسبب ذلك أنهم يقولون إن الني صلى الله عليه وسلم عين لها رجلاً يؤذن لها وكانت تؤمه مع أهل دارها إذن يصح لها أن تؤم الرجال وتخطب الجمعة أيضاً كما ذكر من زينوا للمرأة الأمريكية التي تدعى (أمينة ودود) بجواز إمامتها للرجال في الصلاة وجواز أدائها خطبة الجمعة.
مناقشة هذا الرأي:
نلاحظ أن الحديث لم يذكر لنا أن الرجل كان من أهلها أم لا؟ إذن فلعله من غيرأهلها؟ أو أنه كان يؤذن لها ثم يذهب ليصلي مع الصحابة في المسجد لأنه كان يؤذن لإعلامها بأوقات الصلاة أو أنه كان شيخاً كبيراً مقعداً فكان يصلي وحده بعد أن تنتهي أو يصلي وراءها على رأي من قال إنه كان من أهلها، ولم يكن يحسن قراءة القرآن مثلها فكانت هي أولى بالإمامة لأنها اقرأ منه وهو من محارمها على قول من يرى صحة إمامة المرأة لأهل دارها. وهو استثناء لا يجوز التوسع فيه لأن الأصل أن الإمامة في الصلاة للرجال للأدلة التي سنذكرها فيما بعد.
(2): الدليل الثاني:
استنادهم إلى قول أبي ثور والمزني والطبري بجواز إمامة المرأة للرجال:
مناقشة هذا الرأي: لا يوجد كتاب مستقل لأبي ثور ولا للطبري مدون فيه هذا الرأي بل إن القائلين بهذا الرأي اعتمدوا على قول أبي ثور والطبري من خلال ما ذكره ابن رشد وابن قدامة وبعض الفقهاء من باب الأمانة العلمية لبعض الآراء الشاذة المنسوبة إلى أبي ثور والطبري وغيره.هذا ما سنبينه من خلال نقل بعض أقوال الفقهاء:
قال ابن رشد: "المسألة الرابعة اختلفوا في إمامة المرأة فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال واختلفوا في إمامتها النساء فأجاز ذلك الشافعي ومنع ذلك مالك وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول ولأنه أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام أخروهن حيث أخرهن الله ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذ كن متساويات في المرتبة في الصلاة مع أنه أيضا نقل ذلك عن بعض الصدر الأول"[28]
أقول: لم يجز الطبري إمامة المرأة للرجل في الصلاة على الإطلاق بل إنه أجازها بشرط كما قال الصنعاني: "أن المرأة لا تؤم الرجل وهو مذهب الهادوية والحنفية والشافعية وغيرهم، وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة، وأجاز الطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن"[29]
كلام صاحب المغني تعليقاً على الخرقي:
"مسألة قال (وإن صلى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل أعاد الصلاة) وجملته أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه بحال سواء علم بكفره بعد فراغه من الصلاة أو قبل ذلك وعلى من صلى وراءه الإعادة، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور والمزني لا إعادة على من صلى خلفه وهو لا يعلم لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله فأشبه ما لو ائتم بمحدث. ولنا إنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة فلم تصح صلاته كما لو ائتم بمجنون، وأما المحدث فيشترط أن لا يعلم حدث نفسه والكافر يعلم حال نفسه وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء وقال أبو ثور لا إعادة على من صلى خلفها وهو قياس قول المزني"[30]
أقول: إذا أمعنا النظر في كلام ابن قدامة نجد أن صورة المسألة تكون على النحو التالي:
رجل صلى خلف كافر ولم يعلم أنه كافر أو أنه كان يعلم قبل الصلاة.
فالشافعي وأصحاب الرأي وأصحاب المذاهب الإسلامية قاطبة ومعهم أبو ثور والمزني والطبري قالوا لا تصح الصلاة وراء الكافر إذا علم المأموم أنه كافر قبل الصلاة.
أما الخلاف هو شاذ إذا صلى المأموم خلف إمام كافر ثم تبين له بعد الصلاة أنه كافر فهل تصح صلاته وهل يعيد فعلى رأي أبي ثور والمزني والطبري لا إعادة عليه وحجتهم في ذلك أن المأموم صلى خلفه وهو لا يعلم أنه كافر لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله فأشبه بحال ما لو ائتم بمحدث.
لذلك قالوا إن من صلى خلف امرأة وهو لا يعلم فإن صلاته صحيحة قياساً على من صلى وراء شخص محدث (أخرج ريحاً أو كان جنباً أو لم يكن متوضئاً في الأصل حسب رأي أبي ثور والمزني والطبري وهذا ما ذكره ابن قدامة في الفقرة السابقة: (وقال أبو ثور لا إعادة على من صلى خلفها وهو قياس قول المزني).
ولعل قائلاً يقول: ماذا يقصد ابن قدامة من هذه العبارة وهو قياس قول المزني؟
أقول: إن المزني قال بصحة الصلاة خلف المرأة أو الكافر للمأموم الذي لا يعلم أن الإمام امرأة أو أن الإمام كافر قياساً على رأيه القائل أن من صلى خلف المحدث وهو لا يعلم أنه محدث فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه حتى لو علم بعد الصلاة. هكذا تبين لنا بجلاء أصل المسألة التي يتخذها تكأة القائلون بجواز إمامة المرأة للرجال معتمدين على رأي شاذ لأبي ثور والمزني رغم أنهما لم يفتيا بصحة صلاة المأموم الذي يصلي وهو يعلم أن الإمام امرأة.. فلم يقولا ذلك ولم يذهبا إلى ما ذهب إليه القائلون بإمامة المرأة للرجال في الصلاة المفروضة والنافلة.
أما ابن جرير الطبري فإن هناك أقوالاً شاذة مبثوثة في بعض كتب الفقه منسوبة إليه كقوله بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة وقوله بجواز توليتها للقضاء والإمامة الكبرى. ولعل بعض من يعتمد على قول الطبري يأخذه على طريقة (فويل للمصلين)!! فالطبري كما يقول الصنعاني: "وأجاز الطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن وحجتهم حديث أم ورقة"[31] إذن الطبري يجيز إمامة المرأة للصلاة التراويح وليس الفريضة ويشترط ألا يوجد من يحفظ القرآن غيرها. ويستند إلى حديث أم ورقة الأنصارية والحديثة حجة عليهم لا لهم لأنها كانت تؤم أهل دارها ومحارمها على افتراض وجود الشيخ الكبير فإنه قد يكون من محارمها وتكون هذه حالة خاصة بأم ورقة ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لغيرها.
وعلى أية حال فبعد التحقيق والتمحيص في الكتب المطبوعة للطبري لم نجد لهذه الآراء ذكراً في كتبه خاصة كتابه الشهير جامع البيان عن تأويل آي القرآن المسمى بتفسير الطبري الذي يتعرض فيه للعديد من المسائل الفقهية حيث يناقش ويفند ويرجح ما يراه فلم نعثر على القول المنسوب إليه في هذا الكتاب فعلى سبيل المثال عندما تعرض لتفسير آية سورة النساء (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا...الآية). يقول الطبري: يعني بقوله جل ثناؤه: (الرجال قوامون على النساء) الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهن؛ (بما فضل الله بعضهم على بعض): يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن، وإنفاقهن عليهن أموالهن، وكفايتهن إياهن مؤنهن. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهن عليهن، ولذلك صاروا قوّاماً، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهنّ"[32]
فهذا قول الطبري في مسألة القوامة فهل يناقض نفسه ويجيز للمرأة أن تتولى الولاية الصغرى (إمامة الصلاة للرجال) والولاية العامة كالقضاء ورياسة الدولة؟!!
أما من يجيز إمامة المرأة للرجال في صلاة التراويح وليس في الفريضة وهو قول بعض الحنابلة إذ يقول ابن قدامة: "وقال بعض أصحابنا يجوز أن تؤم الرجال في التراويح وتكون وراءهم لما روي عن أم ورقة بنت عبد الله أن رسول الله صلى الله جعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود وهذا عام في الرجال والنساء"[33]
وقد ذكر المرداوي الحنبلي هذه الصورة بقوله:
" قال القاضي في المجرد ولا يجوز في غير التراويح: فعلى هذه الرواية قيل يصح إن كانت قارئة وهم أميون جزم به في المذهب والفائق وبن تميم والحاويين قال الزركشي وقدمه ناظم المفردات والرعاية الكبرى وقيل إن كانت أقرأ من الرجال وقيل إن كانت أقرأ وذا رحم وجزم به في المستوعب وقيل إن كانت ذا رحم أو عجوزاً، واختار القاضي يصح إن كانت عجوزاً. قال في الفروع واختار الأكثر صحة إمامتها في الجملة لخبر أم ورقة العام والخاص"[34]
ويذكر صاحب الإنصاف كيف تؤم المرأة الرجال في صلاة التراويح: "فائدة حيث قلنا تصح إمامتها بهم فإنها تقف خلفهم لأنه أستر ويقتدون بها" وينقل صاحب الإنصاف عن أحد الحنابلة قوله: "وعنه تقتدي هي بهم في غير القراءة فينوي الإمامة أحدهم"[35]
أقول: هذا الرأي في غاية العجب! يجيزون للمرأة أن تكون إماماً للرجال بشرطين:
(أ): الشرط الأول: أن تكون إماماً للرجال في صلاة التراويح وليس الفريضة.
(ب) الشرط الثاني: أن تكون عجوزاً وألا يوجد من الرجال من يحفظ القرآن.
(ب): الشرط الثالث: أن تصلي خلف صفوف الرجال أي أن الرجال وجوههم للقبلة بدون إمام وهي (الإمام) تقف خلفهم ويتبعونها في القراءة وفي الركوع والسجود!!
ولما وجد بعض الحنابلة أن الصورة في الشرط الثالث غير مقبولة لتعارضها مع حديث (إنما جعل الإمام ليؤتم به) قالوا بالصورة التي ذكرها المرداوي وهي أعجب: أن تصلي المرأة خلف الرجال تقرأ فقط والرجال يختارون إماماً منهم يقتدون به في الركوع والسجود بدون القراءة!!
وهذا ما يتمسك به من أفتى للمرأة الأمريكية وحرضها لاقتحام حرم الإمامة بزعم أن ابن قدامة ذكر أن بعض الحنابلة أجازوا ذلك!! وهذا تدليس على ابن قدامة فالصورة كما عرضناها أن ابن قدامة يستعرض رأي بعض الحنابلة على سبيل الاستنكار. وتصداقاً لذلك فإنه يرد على أصحاب هذا الرأي الغريب بقوله: "ولنا (يقصد المعتمد في المذهب الحنبلي) قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تؤمن امرأة رجلاً)، ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون. وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها كذلك رواه الدارقطني. وهذه زيادة يجب قبولها ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه. لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذنا والأذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض ولأن تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل فلا يجوز المصير إليه ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة لكان خاصا لها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة"[36]
رابعاً: أدلة القائلين بعدم جواز إمامة المرأة للرجال:
الدليل الأول:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا"[37]
وفي مسند أحمد: " أَحْسِنُوا إِقَامَةَ الصُّفُوفِ فِى الصَّلاَةِ خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ فِى الصَّلاَةِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ فِى الصَّلاَةِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا"[38]
قال النووي: "أما صفوف الرجال فهي على عمومها فخيرها أولها وشرها أبداً أما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير صفوفهن أولها وشرها آخرها. والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها وثواباً وفضلاً وأبعدها من مطلوب الشرع وخيرها بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال بعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم"[39]
قال الصنعاني: "وقد علل خيريته آخر صفوفهن بأنهن عند ذلك يبعدن عن الرجال وعن رؤيتهن وسماع كلامهم إلا أنها على لا تتم إلا إذا كانت صلاتهن مع الرجال، وأما إذا صلين وإمامتهن امرأة فصفوفها كصفوف الرجال أفضلها أولها"[40]
أقول: فما بالك بامرأة تصلي بالرجال وتختلط النساء بالرجال في صف واحد؛ حذو الكتف بالكتف، ولزق القدم بالقدم!! بل وصل الاستخفاف إلى درجة أن شاهدنا عبر المرئيات بأم أعيننا: تقام صلاة الجمعة في كنيسة في أميركا: الخطيب امرأة، والإمام امرأة، والمؤذن امرأة سافرة حاسرة، والمأمومون خليط من الرجال والنساء!!
الدليل الثاني:
"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ « قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ » . قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ "[41]
قال الصنعاني: "وعلى أن المرأة لا تصف مع الرجال"[42]
أقول: ومن باب أولى ألا تصلي إماماً بالرجال.
الدليل الثالث:
"لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ « لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً"[43]
قال الخطابي: "في الحديث أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء، وفيه أنه لا تزوج نفسها، ولا تلي العقد على غيرها"[44]
قال الشوكاني: "لأنا نقول قد ورد ما يدل على أنهن لا يصلحن لتولي شيء من الأمور وهذا من جملة الأمور بل هو أعلاها وأشرفها فعموم قوله (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) كما في الصحيحين وغيرهما يفيد منعهن من أن يكون لهن منصب الإمامة في الصلاة للرجال"[45]
الدليل الرابع:
"عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى أَضْحًى - أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَإِنِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ » . فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ » . قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ » . قُلْنَ بَلَى . قَالَ « فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا ، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ » . قُلْنَ بَلَى . قَالَ « فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا"[46]
قال النفرواي المالكي:
"وأشار إلى بيان من يصلح للإمامة بقوله ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم لخبر أئمتكم شفعاؤكم وخبر وليؤمكم أكبركم وقال عليه الصلاة والسلام إن سركم أن تقبل منكم صلاتكم فليؤمكم خياركم فإنه وفد بينكم وبين ربكم فلا يؤمكم إلا الذكور ولا يصح أن تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء لخبر (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وسواء عدمت الرجال أو وجدت لأن الإمامة خطة شريفة في الدين ومن شرائع المسلمين واعلم أن الإمامة لها شروط صحة وشروط كمال فشروط صحتها ثلاثة عشر أولها الذكورة المحققة فلا تصح إمامة المرأة"[47]
يتبع,,,,,,,
تعليق