الأقصى في مركز الشعور الإسرائيلي!
د. عادل محمد عايش الأسطل
لا زلنا نذكر بالأمس القريب، حينما أعطى الرئيس الأمريكي "جورج بوش" من سلسلة عطاياه، إسرائيل الضوء الأخضر وأمام المجتمع الدولي كلّه، بأن تعمل وسائلها بشأن الانتهاء من الرئيس الفلسطيني "ياسر عرفات" في أعقاب اتهامه صراحةً بالضلوع في ممارسة سلوكيات مخالفة لما ورد في الذاتية الخاصة باتفاق أوسلو والتي قام بالتوقيع عليها منذ العام 1993، بسبب تنافيها مع تحقيق بنود الشراكة السلمية كما يراها "بوش" وبالتالي بات يشكل عائقاً أمام السلام. فمن فورها تقدمت إسرائيل بإجراءاتها العنجهية المعتمدة على القوة والتعالي المبالغ فيهما، بدايةً بحصار المقاطعة في العام 2002، ومروراً بتعمّد اقتحامها وتحطيمها حجراً حجراً على مدى أسابيع طويلة، وانتهاءً بقتل "أبوعمار" في العام 2004. كما تكررت المشاهد الإسرائيلية التعسفية ضد الفلسطينيين، وبضوءٍ أخضر أمريكي أيضاً، تراه إسرائيل بوضوح، بشأن النشاطات الاستيطانية التي تحول دون تشييد دولتهم وبالإقدام على تهويد مدينة القدس التي يحلم الفلسطينيون في أن تكون عاصمة الدولة حين إنشاءها خلال الزمن الآتي، حتى لم يبق منها منذ هذه اللحظة شيئاً يشير إلى أنها كانت في يومٍ ما، عربية أو إسلامية أو مقدسة. وكان ذلك كله على مرئي ومسمع كل القادة والزعماء العرب ولكنهم لم يحرّكوا ساكناً. بسبب بعدها حتى عن هامش الشعور لديهم، واكتفوا بإغراقنا بنوعياّت مخففة من الملاحظة الانتقاد والاستنكار حتى باتت تمثّل عبثاً ثقيلاُ علينا، ولسنا بأي حال مضطرين إلى قبولها، ليس بسبب أنها لا تغني من جوع فقط، بل بسبب انبهار إسرائيل بالمواقف العربية المتردية وخاصة كلما اشتد تردّيها.
الآن المسجد الأقصى المبارك، وكما تطالعنا الأنباء في كل لحظة، من مضاعفة الاقتحامات الإسرائيلية سواء الشعبية من قبل الصهاينة العلمانيين أو من قبل الحاخامين والمتزمتين، أو الرسميين من النواب ووزراء الحكومة لباحات الأقصى، وما تنبؤ به صرخات الغيورين، من أن إسرائيل بجملتها في مراحلها الأخيرة بشأن طمس معالمه، وتمهيداً لهدمه وتشييد الهيكل المزعوم مكانه، حيث عبّرت إسرائيل على لسان مسؤوليها ومنذ زمن طويل عن رغبتها في تقسيمه، وتجاوزت تلك الرغبة مع مرور الوقت وتبعاً للمواقف العربية المؤذية، إلى القول بأن الأقصى هو ملك لليهود فقط، ومن ثمّ فلا يمكن الجدال أو التفاوض بشأنه. لاسيما وأن هناك جماعات متطرّفة عُهِد إليها بإعداد مخططاتها من أجل بناء الهيكل، وهي تلاقي الدعم والمساندة الكاملين من المؤسسات الرسمية في الدولة. ويتبين الأمر جلياً في هذه المرحلة، من خلال ما قال به وزير الإسكان الصهيوني "أوري أريئيل" عقب دخوله للحرم بمناسبة رأس السنة العبرية، من ضرورة أن يُسمح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي كلما أرادو ذلك. لزعمه بأنه ملكٌ لليهود، وكونه يمثّل المكان الأقدس لهم. مؤكّداً على وجوب أن يكون مفتوحاً لأداء صلواتهم وطقوسهم التوراتية على مدار الوقت. وكانت حكومة "بنيامين نتانياهو" منذ تشكيلها قد أصرّت بأن القدس لن تكون محل نقاش كونها تمثّل عاصمة إسرائيل الأبدية.
لقد استمعت بدقة، وشاهدت بوضوح، كل الحكومات العربية منذ السابق وإلى الآن، لذلك الإصرار وإلى ما جرى يجري بالنسبة للقدس من عمليات تهويدية مدروسة، وما جرى ويجري بالنسبة للأقصى من عمليات اقتحام وبسط سيطرة.
التصريحات الخافتة التي صدرت من قبل الزعماء والقادة سواء العرب والمسلمين، لا تفي بمرغوب. والاستنكارات الخجولة لا تمنع مواصلة إسرائيل من تنفيذ مخططاتها نحو الأقصى، والأموال المجموعة من مشارق الأرض ومغاربها لترميم القدس والمقدسات، لا تقابل تبرعات يهودي واحد للسيطرة عليهما وتهويدهما وبفاعليةٍ أكبر. وكما العادة فإن ما نلمسه من توجهات داعمة ومساندة لم تكن على المستويات المأمولة، بسبب أنها لم تأتٍ بشيء أو تفضي إلى ما من شأنه أن يوقف الآلة الصهيونية العابثة، وكأنما تدعوها للتقدّم وفعل المزيد.
منذ طلوع كل شمس، تتوالى أصوات المنادين بضرورة التنبّه والحذر، والداعين للحيلولة دون بلوغ إسرائيل أهدافها التهويدية ولإنقاذ البقية الباقية، ولكن كما يبدو لا أحد يقف على التقدير الحقيقي لمستوى التهديد، الذي لن يتوقف عند القدس أو المسجد الأقصى.
ولقد أطلعت القيادة الفلسطينية في رام الله، وفي كل مناسبة، العالم كله على المستويات الإسرائيلية المتقدمة ضد القدس والأقصى، وخرجت الدعوات من لجان الأقصى المختلفة ومن داخل الخط الأخضر أيضاً، إلى جانب دعوات حكومة "إسماعيل هنية" بشأن تحرك عربي إسلامي بمستوى التهديد الذي يستهدف الأقصى ومدينة القدس المحتلة على حدٍ سواء.
إنَّ ما تتعرض له مدينة القدس وخاصةً المسجد الأقصى من محاولات صهيونية مبيّتة، تهدف إلى طمس معالمهما العربية والإسلامية، نحو تهويدهما من خلال سرقة الآثار وتزييف التاريخ وتغيير الوقائع بصورة معمّقة، من شأنها أن توجب على العرب والمسلمين درء الخلافات جانباً والوقوف صفاً واحداً نحو صد الغطرسة الإسرائيلية والتحرك بكل العون والمساندة لنصرة القدس والدفاع عن الأقصى من أجل استرداد الكرامة العربية والإسلامية ومن أجل فلسطين.
خانيونس/فلسطين
18/10/2013