قتل مدفوع الثمن !
د. عادل محمد عايش الأسطل
لا يوجد أي إنسان عاقل يسعى إلى القتل من أجل القتل، حتى وإن كان واقعُ تحت جورٍ ما. ولكن قد نجد الكثير من المبررات التي دعت القيادة الفلسطينية في رام الله من التلكؤ والتغافل عن إدانة مقتل الجنديين الإسرائيليين في شمال الضفة الغربية وفي مدينة الخليل، بالرغم من إدانتها في كل مرة كانت تحصل فيها عمليات مشابهة.
وبدرجةٍ أعلى فإن هناك المزيد من الأسباب التي تسردها حكومة حماس في القطاع، لتبرير عمليات القتل هذه وغيرها، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالجنود، بل وتدافع عنها وتسعى إلى تشجيع فاعليها، وتحث على الإقدام على فعل المزيد، من قِبل الحركات والأحزاب وكل من له القدرة على أفعال مماثلة، وبالقيام بالتصدي للاحتلال الصهيوني ومحاربة كل ممارساته الاحتلالية على الأرض. حيث أعلن المتحدث باسم كتائب القسام "أبو عبيدة" بأن الكتائب تبارك عملية الخليل البطولية وتؤكّد على خيار المقاومة في وجه الغطرسة والصلف الصهيوني المحتل.
ربما لم يفهم قادة إسرائيل، بأن لجوء الفلسطينيين إلى هذه الحالة من العنف، لم يكن فجأةً، ولم يأتِ جزافاً أو على غير هدفٍ أو معنى، بل جاء نتيجة رد فعل على نوايا وأقوال، وعلى ممارسات وأفعال، وهي أكثر من أن تُذكر. ربما الممارسات الاستيطانية اليهودية وعنف المستوطنين هو السبب. وربما الاقتحامات للأقصى والحرم الإبراهيمي، أو الاعتقالات ومعاملة الأسرى، أو الاغتيالات أو بسبب ما آلت إليه الأوضاع السياسية، وانغلاق الأفق التفاوضي الذي مرجعه، المواظبة على اللاءات المغلّظة أمام الفلسطينيين، وتكرار المطالبات الإسرائيلية الجائرة واللامنطقية والتي من شأنها أن تنسف بالكليّة ما يُقال أنها عملية سلمية.
اتفاق أوسلو الذي تم التوقيع عليه في العام 1993، بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل، أوجد ظاهرة (معارضة) غير معتادة، ليس من ناحية الطرف الفلسطيني، بل من الطرف الإسرائيلي أيضاً وربما بنسبةٍ أعلى. لكن ما جعل المعارضة لدى الجانب الإسرائيلي تهدأ وإلى حدٍ بعيد، عندما تكشّفت الأمور وعُلِمت النوايا، بأن الاتفاق ما هو إلاّ عملية محدودة لا تتعدّى نوايا إدارة صراع. أيضاً، فقد راهنت المعارضة الفلسطينية على فشله، بسبب أن ليس هناك تكافؤ بين الطرفين سواءً كان ذلك على الصعيد السياسي أو العسكري، ناهيكم عن الانحياز التام والكامل من قبل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى جانب الدولة الإسرائيلية وعلى كافة الصعد والمستويات.
وإذا ما تتبعنا أساليب الحكومات الإسرائيلية في طريقتها باتجاه المفاوضات مع الفلسطينيين منذ ذلك الحين، رأينا كم كانت بعيدة إلى أبعد الحدود عن أسس التفاوض العادلة، فقد كانت النوايا الإسرائيلية الشريرة واضحة منذ البداية ولا تحتاج إلى بيان، حينما أعلن "إسحق شامير" رئيس الوزراء إذاك، بأن إسرائيل تريد التفاوض إلى سنين وعقود وحسب.
لقد اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، عمليات المقاومة الفلسطينية ضد قواتها الاحتلالية والإسرائيليين بشكلٍ عام، كأحد الأسباب المهمة في عرقلة تلك المفاوضات والتوصل إلى حل. حيث كانت لا تكترث بتفجير حافلة في قلب إسرائيل، إذا ما كانت المفاوضات تسير في الصالح الإسرائيلي، وتتوقف تماماً لأجل شكاية أحد المستوطنين، عندما تجد نفسها في الزاوية.
الآن حكومة إسرائيل تجد نفسها في الزاوية ذاتها، ولعلّها وجدت الضالة، بسبب حادثي مقتل جندييها، لتنقلب على كل شيء، ليس على الصعيد التفاوضي فقط، وإنما أمام مواطنيها والعالم الخارجي أيضاً. وترى أن عليها وقف كل مستحق للفلسطينيين وبذل المزيد من السماح للمستوطنين بالاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية، وتجريد الفلسطينيين أمام العالم من أنهم غير جادون في نبذ العنف ومحاربة الإرهاب.
"نتانياهو" نفسه، أمر بمعاودة الكرة للاستيلاء على ممتلكات فلسطينيين، حيث استغل مقتل الجندي في الخليل لتعزيز الاستيطان في المدينة، وسمح للمستوطنين باحتلال منزل فلسطيني قرب الحرم الإبراهيمي كان طرد منه 15 مستوطناً يهودياً خلال العام الماضي، مدعياً أنه سيضرب ما يسميه (الإرهاب) بيد ويعزز المستوطنات باليد الأخرى.
أيضاً، وزراء في حكومته أوصوا بالتراجع عن استئناف المفاوضات تمهيداً لوقفها، والتوقف عن تنفيذ استحقاقات فلسطينية واجبة وخاصةً التي تتعلق بتحرير الأسرى القدامى من السجون الإسرائيلية. وأخذت تلك السياسات صبغة دينية من جانب الحاخامات العسكريين وعلى رأسهم الحاخام "رافي بيرتس" الذي حضر جنازة الجندي في الخليل، بسبب أن الجنود هم في خدمة الدولة والمقدسات اليهودية.
كما توعّد المستوطنون أثناء صلواتهم من أجل الرّاقد في فراش المرض بمستشفى (هداسا) الحاخام "عوفاديا يوسيف" الزعيم الروحي لحركة شاس الدينيّة، ببناء وحدات استيطانية كأفضل رد على قتل الجنود، حيث طلب "تسدوك زوهراي" رئيس مجلس مستوطنة (إلكانا) بالقرب من مدينة نابلس من "نتانياهو" المصادقة على بناء مئات الوحدات الاستيطانية داخل المستوطنة، والمستوطنات الأخرى في الضفة الغربية.
وتبدو المشكلة أكبر عندما يتمترس قادة اليهود إلى أجلٍ غير مسمى وخاصة في هذه البيئة شديدة الاحتقان، عند مقولة قديمة جديدة، بأنه يتوجب على من تلطخت يديه بالدم اليهودي أو من أرسلهم (دفع الثمن) لذلك الفعل، وهم يتجاهلون كل الوقت وينكرون تماماً، بأن الثمن والثمن الباهظ، قد تم دفعه منذ بداية الصراع العربي- الإسرائيلي، ويتم دفعه في كل يوم، من الدماء والممتلكات والمقدسات.
إسرائيل ليست بحاجة إلى حجج إلى عرقلة المسيرة السلمية أو التنصّل من الالتزامات واستحقاقات السلام، أو إلى ممارسة المزيد من الإجراءات السياسية والعسكرية والاقتصادية ضد الفلسطينيين، بهدف الضغط عليهم، لقبول شروطها بحسب ما تمليه الوقائع على الأرض، لا سيما وأنها معتادة على معاندة المجتمع الدولي، وما زالت كافرة بكل المواثيق والمعاهدات والأعراف الدولية وخاصةً المتعلقة بالقضية الفلسطينية، حتى على الرغم من أن قادتها يستشعرون هواجس مخيفة آتية.
خانيونس/فلسطين
24/9/2013