بسم الله ..




الشيخ الشهيد العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي يرثي زوجته السابقة برسالة رقيقة نشرها في كتابه (من الفكر والقلب) وإليكم ما نشره :


أما الكلمة التي أخرجها اليوم بعد أكثر من عشر سنوات من ملف أوراقي، والتي لم يطلع عليها إلا ثلة من أخص الأصدقاء و الأحباب،
فإنما يحفزني إلى نشرها ووضعها بين يدي القراء، غيرةٌ بالغة على قطعة من النثر أودعتها أعز مشاعري وخلجات قلبي، وصقلتها بأغلى
ما أملك من صلة ما بين جناني و لساني، وهو صدق الشعور وعفوية التعبير، أن تذوي مع الزمن ثم تضيع في داخل الأدراج.

أما الحادثة فقد طويت، و أما المصاب فقد أبدلني الله عز و جل عنه خيراً، و أما هذه الكلمة، فقيمة فنية باقية لمن شاء أن يرى لها هذه القيمة،
و تخليد لوفاء جميل عمره الدهر كله.. ثم إنها عبر كبرى لكل من أراد أن يعتبر.

أميرة
يا أجمل حلم طاف بكياني اثنين و أربعين شهراً
يا سنا برق أومض في حياتي من علياء الجنان

أميرة

يا اسماً غدا آخر زهرة أملكها في واحتها المصوحة، و جنتي المقفرة ، يا بقية نعيمي المدبر ، و يا ذكرى خميلتي الغناء، ويا شفق شمس دفنها المغيب
.
أميرة

هذه شهور ستة مضت على اليوم الذي أسدل فيه الموت بيني وبينك الحجاب، و لا تزال كآبة الدنيا في وجهي وحول قلبي كما هي
.. لم يغلق الهم دوني بابه، و لم يفتح الأنس أمامي نحوه من سبيل.

لا تزال دنيا الناس من بعدك غريبة عني، و لا يزال ضوضاؤها يلسع فؤادي كأنه قهقهة الشامتين.
لا تزال جراح قلبي تتنزى بالألم و تغرق في اللهب. لم يطفئها كر الغداة و لا تقادم الأيام، و لم يخفف من لظاها وطأة اليأس، لا نسيم الأمل، و لا هاجس الأحلام
...
لقد عادت الدنيا من بعدك تدور دورتها، و تسير في دربها، كأن شيئاً لم يقع!..
لا تزال الشمس تطل كل صباح من خلف دارنا كما كانت، و لا تزال تبعث الأشعة نفسها من خصاص النافذة إلى الجدار المقابل.. حتى إذا جنحت نحو مغيبها اصفرت ذاوية كعادتها، ثم لملمت أذيال نورها واحتجبت خلف الهضاب.
صفحة السماء في الليل، لا تزال من بعدك كما هي، و لا تزال كواكبها المنثورة التي لا تحصى يخفق بياضها في سواد الليل الحالك كحبات الماس التي كانت تخفق فوق خملة فستانك الخمري الجميل.

و الربيع... لقد عاد الربيع من بعدك دون أي اختلاف عن ربيع عامنا الفائت ، يوم كنا نتمرغ فوق سندسه تحت أزهار المشمش و الخوخ في البستان الممتد أمام بيتنا الصغير، و يوم كنا نستنشق معاً فوح بساطه الملون على سيف البحر في طريقنا إلى اللاذقية!..
لم يختلف شيء من ذلك كله من أجل طول بكائي، و لم تذبل زهرة واحدة منه في ضرام أشجاني.
وطيوره الصادحة كعهدك بها تماماً ، لم ينقطع تغريدها، و لا اختلفت أنغامها، و لم يظهر لأحزاني أي أثر متميز في شدوها و تغريدها الذي تعرفين.
و البنفسج الذي تحبين، و الزنبق الأصفر البري الذي جمعتِ لي منه باقة من بين غابات كسب، لا يزال يفوح بالرائحة نفسها دون أي نقص أو اختلاف.
و نقيق الضفادع في الساقية المجاورة،


عاد مع الربيع الجديد يوقظ النائم مع تباشير كل فجر جديد ، في ترنيمة جماعية صاخبة كما تعهدين.
و الناس.. الناس و الأصدقاء الذين اكتأبوا لمصابي و لبسوا سيما الحزن في وجوههم من أجلي ، خلعوا سيماهم بعد ساعات ، و انفضت عني جموعهم ،وانصرف كل إلى شأنه و دنياه.
حتى الأقربون من أهلك ، بكوا ..أو تباكوا لي حيناً من الوقت ، ثم ما كادت جعبة ذاكرتهم تفرغ من عبارات الحزن و الآلام ، و ما كادت ألسنتهم تمل من تكرارها ، حتى عادوا هم أيضاً (فيما بينهم) إلى لهوهم و أفراحهم ، وعادت لياليهم كما كانت ، عامرة بالمآكل الشهية و الأسمار العابثة ،

أما الحديث عنك، فقد أصبح واحداً من الأرقام في قائمة الأحاديث التي تمتع بها النفس و يزجى بها الوقت.
لقد تابع الزمن مساره من بعدك كما كان ، و تابع الناس معه رحلتهم الصاخبة خلال الحياة . و بقيت وحدي الغريب بينهم ، المتخلف عن ركابهم ، الشارد عن سبيلهم .
تشرق الشمس ، فلا أراها إلا مدبرة عني ، كاسفة عن بصري ، فإذا غربت ودعتني بلحن صامت يضرب في أغوار نفسي على قيثارة الموت ، و يمتزج بحشرجة الأنفاس الشاردة لحظة الوداع.
و يقبل الربيع ، بخضرة مروجه ، و فوح زهره و رياحينه ، فلا أرى من ذلك كله إلا ما يذكرني بربيع أيامي معك ، و يعيدني إلى عبير الدنيا في أنفاسك ،ويمرغني على شاطئ سندسي خلاب من دنيا عينيك الخضراوين.


و أنظر إلى الغادين والرائحين في جوانب الأرض، و المنغمسين في لهوهم و أفراحهم، و المتعانقين سعياً وراء أمانيهم و غاياتهم، فلا أجدني إلا كضائع بينهم ، غريب عن أحوالهم، و لا أحسفي ضجيجهم المرح العابث إلا بمثل ما يحس به المعذب إذ تتعالى من حوله صيحات الشامتين.

أسير معهم في الطريق الذي يسيرون، و أتقلب معهم حيث يجتمعون ويتجالسون، و لكن كما تسير سحابة صيف، وسط رياح لاهبة ساخنة، أو كما يتقلب غصن من بقايا الخريف بين أمواج تتدافع في عرض البحر.

لا أرى الدنيا إن ضحكت أو اكفهرت إلا مغموسة حولي بالكآبة و السواد ، كأنها لا تزال حبيسة في عمر ذلك اليوم الذي شيعت فيه أحلامي إذ أودعتك داخل صندوق ، ثم دفنتك في التراب!..

أميرة

لم يبق لي من نعيم دنياي بعدك ، إلا الذكريات التي تشدني نحوك و البقايا التي تنتمي إليك.
لناس يفرون من ذكريات مصائبهم و أحزانهم إلى أسباب المرح و النسيان ، أما أنا ، فلا يطيب لي إلا أن أفر من أسباب المرح و النسيان إلى ذكريات مصائبي وأحزاني
لا يؤنسني إلا الحديث عنك، و لا يطربني إلا استرجاع أيامي الخوالي معك.

وماذا يصنع من افتقد أنيس حياته سوى أن يستأنس من بعده بالآثار و يترامى بين الأطلال؟؟
ماذا يفعل من افتقد ريحانة قلبه سوى أن يشم من بعدها عبير التربة التي نبتت فيها، و يستنشق الهواء الذي كان يطوف من حولها؟؟
و لكني افتقدت من بعدك يا أميرة حتى بقاياك التي رجوت أن أركن إليها
وأستأنس بها!..
فساتينك التي تحكي قدك الرائع ، لم أعد أعلم عنها شيئاً ، و لم يعد يعنيني من سبيل للاكتحال بها، و لا لرئتي الظمآنتين من حيلة لاستنشاق عطرها و الاستغراق في أريجها.

شجرة الرمان التي طالما أظللتنا أغصانها ، في أيامنا الأولى ، و شجرة الياسمين التي طالما شربنا النشوة تحت ظلالها ، و الورود الباسقة الحمراء التي كانت تقرأ تحيات الطبيعة إلينا، و تترجم عن فرحة الدهر لنا، لم أعد أعلم ـ واحر قلباه ـ عنها شيئاً.

و باب داركم الذي كان ينفتح أمامي كلما أقبلت زائراً، عن وجهك المشرق البسام ، لم تبق لي من وقفة عنده اليوم..
و هكذا انقلبت جنتي التي عرفتها بك إلى دار غربة لا تتعرف علي، و استحالت الدنيا التي عرفتها ينبوع أمل و كنز سعادة، إلى قفل كبير، و سجن قاتم ، يصنع المزيد من آلامي، و يزجني في مزيد من الغربة عن أيامي !..
و عادت دنيا الوفاء مهجورة كعادتها، إلا من بقايا...و صور...وأطلال..

غير أنني سأتخذ من هذا العالم المهجور مهجعي و قراري، سأجعل منه ساحة العهد التي لا أفارقها إلى يوم اللقاء. لن أخيس بصداقة من صادقتهم في سبيلك، أهلاً كانوا أو رحماً أو جيراناً.

سأطوف حول داركم و إن لم أدخل إليها، وسأستنشق هواءها غادياً و رائحاً، مشرقاً و مغرباً..
سألتقط الجميل، لا أذكر غيره، و سأتوج حب قلبي بنار من الصبر.

إن بكيت ، فسقيا لأطلال تلوح في دنيا الوفاء.
أو تألمت، فجزعاً من أن ينسى الجميل الباقي بعرض دنيا فانية.
أجل.. لقد نفضت يدي ـ يا حبيبة دنياي و آخرتي ـ من بقاياك . و لكن بقية غالية لا أزال أملكها، إذ لم يضن علي أهلوك بها..
إنها أغلى ما يذكرني بريحانة روحك، ويمزجني بدافئ حبك و تحنانك.

إنها رسائلك .. أوراقك..تلك القصاصات، التي كنت تستودعينها صادق حبك لي، مناسبات لم تدعي واحد منها تمر حتى تجسدي منها صفحة ناصعة تثبتين عليها بأرق العبارات أرق العواطف الجياشة، و أعذب كلمات الحب والهيام.

هذه الأوراق، هي كنزي الثمين من بعدك، إنني أحتفظ بها في صندوق صغير مضمخ بالعطر..


إنني أرتل نجواك و أردد كلماتك الباقية لي من بعدك، في محراب خلواتي، في دموع قدسية لذيذة، يكرمني الله بها، و يرحم بها وجيب قلبي الخفاق.


إنني أقرأ سطورك بعيون مشاعري و إحساسي، فأبصر فيما بينها روحك الوادعة الرقيقة، تحنو علي حنو الأم على وحيدها، و تجذبني عن نار آلامي لتضمني إلى جنة فؤادك الخفاق.

يا حبيبتي الخالدة:
هل كنت، و أنت تخطين لي بأناملك الرقيقة أروع آيات البيان عن مشاعر قلبك المحب، تمنحينني زاداً من عصارة حبك الوردي، أتبلغ به في دروب وحشتي من بعدك؟..

هل همست الأقدار في إحساسك ـ يامليكة أرهف إحساس رأيت ـ أنك ستضعين لي من حبك أحر نار تكويني من بعدك، و أنك لن تعيشي لي عمر حبك الطويل، فأودعت في مهاد هذا الحب ترجمانك الخالد، و طرزته بكلماتك الحلوة، و توجته ببيانك الرائع الرقيق؟..
يا له من مهد عذب أليم!...
يا للضلوع المستعرة على جنباته!...
يا لفؤادي الهيمان وسط جنة ناره!...
أميرة
هل أحدث فيك وهماً، جسدته في خيالي أصداء ماض طواه بئر الزوال؟..


أم أناجي فيك حقيقة تراني و لا أراها، و تدركني دون أن أجد سبيلاً لرؤيتها أو الشعور بها؟..

معاذ الله!..
لقد علمت فيما درست من معارف الحياة الإنسانية ، وأيقنت بعد إيماني الجازم بالله و بكتابه و رسله، أن هذا الذي نسميه موتاً إنما هو اليقظة الكبرى، إنما هو شعور متكامل يخضع لأحكام و موازين غير التي تخضع لها حياتنا الدنيوية اليوم!..

هو ، فيما نرى ، من هدأة الجسم بعد حركته ، وانطفاء سر الحياة فيه بعد اشتعاله و التماعه، عدمٌ تحكم به العين، و زوال يحكم به الإحساس.

و لكن هيهات أن تكون منافذ الحس في هذه الحياة الإنسانية محيطة بسر الحياة أو دائرة الروح.
إن الحواس الإنسانية أثر من آثار هذه الحياة الدنيوية الضيقة، و فرع صغير في أغصانها الكثيرة. فكيف يكون الفرع محيطاً بحقيقة الأصل، عليماً بنهايته ومصيره؟


إن الموت ليس إلا لحظة انطلاق و تحرر للروح من ذلك القفص الجسدي الذي كانت حبيسة فيه، و إن بدا أنه لحظة خمود و إقفار في حساب ذلك الجسد نفسه.

و من يدري ؟.. لعل الأموات يمارسون حيويتهم و انطلاقهم في جوانب الكون أكثر مما نمارسها نحن الذين أثقلتنا هياكل هذه الأجساد!..

من يدري.. لعل هؤلاء الأموات الذين نسميهم أمواتاً ، يمرون على مقابرنا الجسمية ، فيلحظونها بنظرة إشفاق على الروح الحبيسة في داخلها ، و يدعون لها بانبعاث قريب إلى عالم الأحياء!..


لقد عرفت كل هذا يا حبيبتي يوم أن منحني الله عقلاً حررته من التبعيات و الأغلال ، ووهبني إيماناً أقمته على بينات العلم و نواميس الوجود.

وإيماني هذا هو العزاء الوحيد الذي يمنحني نعمة الصبر على سعير ابتعادي عنك.

أنا أعلم علم اليقين أن الموت لم يطحنك بين شدقي العدم، و لكنه انتقل بكينونتك الذاتية من عالم إلى آخر، كل الذي أسدله الموت بيني و بينك هو حجب المقاييس و القوانين المتغيرة.
و إنني على يقين أننا سنلتقي .. سأنفذ إليك من الباب الذي سبقتني إليه، و لسوف تعود قصة حبنا من جديد.


هذا إن أكرمني الله بخاتمة ترضيه، و إلا...فواكبدي للنذير الرهيب الذي يصرع اللب: ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين).

و يوم يفقد المحب الصادق نعمة هذا الإيمان، ثم يضرب الموت بينه و بين حبيبه بسوره الرهيب الذي لا مرد له ، فإن جميع مبهجات الدنيا لا تبلغ أن تكون عزاء له.


بل لا بد له أن ينتهي إلى أحد نتيجتين: جنون مطبق ، أو انتحار مريع!..
غير أن هذه الحقيقة مهما كانت واضحة، فإنها لا تحطم شيئاً من رهبة الموت في نفوس الأحياء.
أما أنا، فإن شيئاً واحداً حطم هذه الرهبة من نفسي ومحاها من كياني .

ألا و هو الأنس الذي شاع في حقيقة الموت بعد أن حللت في عالمه الغريب.

لقد كان الموت في عيني شبحاً رهيباً ، فإذا هو اليوم كائن جميل ، و لقد كان وادياً أجرد موحشاً ، فإذا هو اليوم واحة رائعة غناء .
لقد غدوت من بعدك ملاحاً غريباً تائهاً ، تتقاذفني أمواج حياة دكناء ، أرقب اللحظة التي تلوح لعيني فيها بارقة نور يهديني إلى شاطئ الموت.

كل ما أخشاه ، أن تزل بي قدم إلى ما لا يرضي مالكي العظيم جل جلاله، فأتنكب بذلك عن سبيل السعادة، ثم أقبل على الموت بخاتمة تقصيني عن رحمة الله، وتضرب بيني و بينك حجاباً لا أملك اختراقه، و تلك هي الشقوة التي تذيقني غصة الموت و الحياة.

إنني لشديد الخوف من هذه العاقبة!..
و لست أملك ضمانة تحفظني منها، إلا الأمل برحمة الله.

إنني لا أتصور أن يقسو علي مولاي إلى هذا الحد، مهما كنت شارداً عن سبيله، مقصراً في القيام بواجباته.

إن ظني به أنه سيحوطني برعايته و إن لم أكن لها أهلاً، و إني لمتعلق بعد ذلك بقوله: أنا عند ظن عبدي بي.
أمل آخر ، لا يغيب عني نوره ، و لا أزال أستنشق الأنس في بريقه ، و أعيش في طمأنينة من روحه.


إنه بعض من كلماتك النورانية في رسائلك الباقية الخالدة لي من بعدك .. إنه هذه الشذرات
يا منية النفس...و توأم الروح..و أنشودة القلب..يا سعيد.. جعلك الله سعيداً في الدنيا والآخرة.. سعيداً في حبك.. سعيداً في حياتك.. وجعلني سر سعادتك الدنيوية و الأخروية، بل النبع الذي تروي به ظمأك، و الدوح الذي ترتاح إليه نفسك، والمنارة التي تضيء لك الطريق .. الطريق إلى الله.. طريق الحب الرباني .. لنسير معاً.. لنصل إلى شاطئ الأمان..شاطئ السلامة.. سر المعرفة الربانية.. ولنرتشف معاً الحب الإلهي الخالص..

سعيد.. يا أسعد أيامي بقربك..إنني أنظر إلى المستقبل ..و ألمح بارقات الأمل تتراءى مبتسمة من بعيد..لأن الله جل و علا هو الذي ربط بين قلبينا بأوثق ما يكون من رباط..و كلله برحيق المحبة و الهناء ، و رزقنا المودة الأبدية في الدنيا والآخرة ) .

إنني لأظن يا حبيبتي أن روحك الوادعة الجميلة لا تفتأ تدعو لي بهذا الدعاء:

( جعلك الله سعيداً في الدنيا و الآخرة..و جعلني سر سعادتك) ..

وأنت في مقام القرب من مولاك ، في مقعد صدق عند مليكك الكريم الوهاب.. وإن هذا لبعض حق الوداد فيما بيننا.

و إنني على يقين أن ما كنت تلمحينه من بارقات الأمل، إنما هو المستقر الأبدي السعيد الذي هيأه الله تعالى لنا في أكناف رحمته، و تحت ظل غفرانه و لطفه، كشف الله عن سريرتك سبيلاً لشهوده و رؤيته.

و لكنك تجاوزت مخاطر هذه الدنيا و أهوالها ، بخاتمة يغبطك عليها الصديقون ، و بقيت من بعدك أتقلب في طياتها ، و أجدف عني أخطارها في دروب حالكة لا عاصم فيها إلا رحمة الله.

فيا نور السموات و الأرض، يا من يجير و لا يجار عليه، يا من أنقذ خليله من نار نمرود ،أنقذ عبدك من سعي هذه الدنيا، و يسر لي في أكنافها سبيلاً إلى خاتمة ترضيك .


إملأ بقية أيامي في هذه الحياة رضا، بل سعادة بحكمك، و سخرني في كل لحظة منها لخدمة دينك، ثم اختم حياتي بأحب الأعمال إليك، حتى ألقاك و أنت عني راضٍ يا أرحم رحيم ،و يا أكرم مسؤول.
أميرة

قيل لي: لقد ماتت، فروض فكرك بعد اليوم على نسيانها، فإن تعلق الحي بالميت سعي باطل لا حصيلة له!..

و لا و الله، ما طرقت سمعي كلمة ـ مما قيل لي في باب التعزية و السلوى ـ أشد من هذه الكلمة ولا أوحش.

معاذ الله أن أكون قد شربت من محبتك كأساً بلغت بها الثمالة عند الموت!..

و معاذ الله أن يكون الموت عندي إلا تصعيداً لهذا الحب و تكريراً لرحيقه.

ما أحببت فيك مجرد قد معتدل ، شكل جميل ، و لقد منحك الله منهما الشيء الكثير.

و ما فتنت منك بمجرد أنوثة مما يهفو إليها الرجال ، على أنك كنت تقبلين إلي من ذلك بفن و تدبرين بفن.
و لكن الذي علقني بك فوق ذلك كله ، إنما هو صفاء روحك ، سمو إحساسك ، إشراقة قلبك.

أحببت فيك حبك الرائع لمولاك العظيم جل جلاله..
أحببت فيك الليالي التي كنت تساهرينني فيها بأنوثة عارمة، و حب موله لامزيد عليه، حتى إذا اعتدل الليل ليمضي، و رنق النعاس في العين، و هفا الجنب إلى مضجعه ، جافيت جنبك عن المهاد، و تسللت إلى الغرفة المجاورة، و قمت تناجين محبوبك الأعظم بعيون ملؤها الدمع، ثم ركعت فأطلت بين يديه الركوع، و سجدت فأطلت على أعتابه السجود.
أحببت فيك حنينك إلى الله .
أحببت فيك أشواق قلبك ورقة شعورك.
أحببت فيك الذكر النابض بين كل عشية و ضحاها على لسانك.
أحببت فيك القلب الذي كنت أسمعه يخفق في هدأة النوم فأرى لسانك يتجاوب معه بذكر الله.
ألا سلمت يد تلك الصديقة التي غرست في فؤادك و فؤاد أترابك هذا السر الإلهي العظيم.
أحببت فيك النهاية.. تلك النهاية التي توجت فيها عمر شبابك الغض بلحظة قدسية أخيرة اهتز لها سمع الزمان و المكان ، عندما قلت بملء فمك الجميل: الله.


مثل هذا الحب ، يولد ميلاداً جديداً بالموت
و مثل هذا الحب يتلظى سعيره من جديد إذا دخله تاريخ الموت.

يا رفيقة الدرب في حياتي و موتي.

ياأنيسة العمر ، شبحاً و روحاً في عالم الأحياء ، و سراً روحانياً عظيماً في عالم الأموات: أما إن موتك زادني حباً على حب ، و لسوف يبقى حبي لك في ازدياد ، حتى يتمم الله فضله ، و تحين ساعة اللقاء.

و بعد..


هل تذكرين يا أميرة ، يوم كنت تسألينني أن أكتب لك فصلاً أشرح فيه مكنون حبي لك ، و أصور فيه عواطفي نحوك ، و كيف كنت تتلطفين لي بعرض هذا الرجاء بأسلوبك العذب الرقيق؟؟
يا للندامة..!

لقد تثاقلت يومها عن النهوض بتحقيق هذا الرجاء ، معتذراً لك بأن الرسائل إنما تكتب في حال البعاد ..و ما دام اللقاء موفوراَ فإن حديث اللسان أعذب و أقوى في البيان مما تخطه الأقلام.


واكبدي!.. لقد أورثتني هذه القسوة أمام ما كنت تتلطفين في رجائه ، ناراً هي اليوم لا تنفك تفري فريها الشديد في أحشائي.


لقد كان في قضاء الله أن تتأخر استجابتي لسؤالك إلى هذا اليوم.
فاقبلي يا حبيبتي رسالتي هذه إليك ، و إن جاءت متأخرة.. وليكن شفيعي
أن ما أنفقت من دموع، تعدل ما استهلك

عن كتاب من الفكر و القلب